القانون والعدالة في بناء التماسك المجتمعي

إنّ التماسك المجتمعي، والاستقرار والسلم الأهلي، والتنمية المتناسبة مع القدرات والثروات الوطنية، هي أحد نتائج دولة الحق والقانون. كما أن توفير العدالة للجميع وبالتساوي، ووفق مبادئ الدستور ونصوص القانون الواضحة والمعلنة، هو الطريق الوحيد والضروري، والذي لا بديل له، للسلم والاستقرار والتماسك المجتمعي، والولوج تبعاً لذلك إلى المستقبل وبناء الدولة الوطنية

 العدل أساس الحكم، جاء هذا المبدأ من خلال تجربة المجتمعات عبر آلاف السنين من عمر الحضارة الإنسانية. حيث تأكد للإنسان العاقل أن العدالة هي حجر الزاوية في بناء المجتمعات الإنسانية، وهي المدخل الطبيعي واللازم لاستقرار هذه المجتمعات. وبالتالي تتحدد إنتاجية أيّ مجتمعٍ في كافة المجالات (الاقتصادية والثقافية والاجتماعية والمعرفية وغيرها)؛ من خلال علاقة طردية مع مدى تحقق العدالة فيه، فكلما ازدادت نسبة تطبيق العدالة وارتقت معاييرها، زادت إنتاجية المجتمع الإنساني.

المساواة والعدالة 

ومما لا شك فيه؛ أن العدالة تستند إلى وجود القانون العلني المعروف من الجميع، والذي تشمل فروعه جميع مناحي حياة البشر، وأشكال نشاطهم. وتطبّق قواعده على كل الناس في مكان ما وزمن ما، وتطبق على الجميع بشكل متساوٍ، وبذات المعايير، ودون استثناءات. ويشمل ذلك الحاكم والمحكوم، أي أن الحاكم يجب أن يخضع لقواعد القانون، سواء كان هذا الحاكم شخصاً أو كياناً قانونياً من أي نوع ودون أي استثناء، ملكاً أو أميراً أو سلطاناً أو رئيساً أو وزيراً أو نائباً أو قاضياً. وبالتالي فكل صاحب سلطة تأتي مشروعية سلطته من خضوعه للقانون والالتزام بقواعده جميعها.

الدستور

ويتضمن القانون قواعدَ ويقوم على مبادئ هي ترجمةٌ حرفية، ودون تصرفٍ للقانون الأساسي في الدولة، وهو الدستور أي العقد الاجتماعي، وهذا العقد الاجتماعي الذي يسمو على القوانين، لأنه يعبر عن إرادة الشعب في دولة ما.

فالشعب إذاً يقرّ الدستور، والقوانينُ تترجم مبادئ هذا الدستور، في الاقتصاد والثقافة والسياسة والعلم والمجتمع والعسكرة والدين والفنون، وكافة أوجه النشاط الإنساني؛ وبالتالي فإن إرادة الشعب هي التي توجه مسارات وأشكال وألوان النشاط الإنساني.

عندما يتضمن الدستور نصاً يقول أن حق الملكية حقٌ محمي بموجب الدستور والقانون، وأن حق الحرية وحق الحياة والتعبير عن الرأي هي حقوق مقدسة ويحميها القانون، فإن هذه المبادئ ستنعكس إيجاباً على الحياة الاقتصادية، من خلال حماية حق الملكية؛ وبالتالي فإن التاجر والصناعي والمزارع سيشعر بالأمان على ملكياته، سواء كانت عقارية أو منقولة، وبالتالي سيبادر إلى ممارسة نشاطه الاقتصادي على نطاق واسع، خاصةً عندما يلمس أن سيادة القانون مطبقة، وأنه يستطيع اللجوء إلى المحاكم ليحصل على حقه عندما يتعرض لأي مشكلة في عمله. الأمر الذي يؤدي إلى الاستقرار في الحياة الاقتصادية، وزيادة الإنتاجية، ويشجع أصحاب رؤوس الأموال والاستثمارات الكبيرة، حتى الخارجية منها، على اختيار هذا البلد ليكون مستقراً لنشاطهم الاقتصادي، وهذا يؤدي بدوره إلى الانتعاش الاقتصادي والتطور في كافة المناحي.

دولة القانون

كذلك فإن القانون يحدد العلاقات بين الأفراد المواطنين فيما بينهم، ويبين الحقوق المتبادلة، ويحدد ما هو مسموح و مشروع بالتعامل، وما هو ممنوع. علماً أن الأصل في الأشياء الإباحة، وبالتالي فإن المواطن يكون على بينة ومعرفة بحقوقه، وحقوق غيره، ويفهم أنه ممنوع من التجاوز على حقوق غيره أو الاعتداء عليها، سواء على الصعيد المالي أو الشخصي. كذلك فإن القانون يحدد العلاقة بين الأفراد والجماعات وبين الجماعات أنفسهم ويحدد العلاقة بين جميع هؤلاء وبين مؤسسات الدولة؛ وبين مؤسسات الدولة فيما بينها، ضمن الإطار العام للدولة من خلال قواعد ونصوص واضحة ومحددة وفاصلة، وهذا بدوره يؤدي الى معرفة الناس ومعرفة السلطة بما لها وما عليها ويؤدي بالتالي الى التماسك في المجتمع والى خلق وحدة وطنية حقيقية ناجمة عن إحساسٍ فعليٍ بالانتماء، والشعور بالأمان لوجود القانون الذي يوزع العدالة والحق على الجميع.

إنّ التماسك المجتمعي، والاستقرار والسلم الأهلي، والتنمية المتناسبة مع القدرات والثروات الوطنية، هي أحد نتائج دولة الحق والقانون. كما أن توفير العدالة للجميع وبالتساوي، ووفق مبادئ الدستور ونصوص القانون الواضحة والمعلنة، هو الطريق الوحيد والضروري، والذي لا بديل له، للسلم والاستقرار والتماسك المجتمعي، والولوج تبعاً لذلك إلى المستقبل وبناء الدولة الوطنية.

المحامي عادل الهادي