آليات مجتمعية تقليدية للحفاظ على السلام والتماسك المجتمعي في السويداء (2)

يستخدم المجتمع في السويداء مجموعة من الآليات المجتمعية التقليدية، للعمل على ترسيخ السلام والمساهمة في التماسك المجتمعي.

نستعرض في هذه المادة مجموعةً من الأعراف والتقاليد، التي تمثل الآليات المجتمعية التقليدية التي يلجأ إليها المجتمع في السويداء، للعمل على ترسيخ السلام والمساهمة في التماسك المجتمعي.

الحقوق/الدية

وهي المبلغ المالي الذي يقدمه الجاني في حالات القتل بكافة أنواعه، وبغض النظر عن دوافعه. سواء أكان القتل عمداً أو  غير عمد، أو حتى شروعاً بالقتل أو دفاعاً عن النفس”. إضافة لحالة نزول الشخص على غير منزله التي . ويتم دفع الدية أياً كان الشخص، حيث تدفع للمجني عليه أو لذويه. ويعتبر دفع الدية إحدى خطوات الصلح من حيث رد الحق ورفع الظلم.

آلية تقديم الدية

حسب الأعراف القديمة، في حال قتل شخص شخصاً آخر، فإنه يترتب عليه أن يرحل إلى خارج منطقته (أو منطقة وقوع الجناية). ويجلو مع القاتل كل فرد من أفراد لزومته أي عائلته، من أب وأم وإخوة وأبناء. ويتم تقديم تبريرٍ لأهل القتيل بأن يقتلوا من يصادفون من لزومة القاتل، أو يحرقوا منزله أو يأخذوا ما تقع عليه أيديهم، من مالٍ وأنعامٍ. وهذه الحالة تسمى (فورة الدم)، وتكون محددةً بوقتٍ معلومٍ لا يتجاوز الثلاثة أيام غالباً. 

ولا يحسب من الدية، ولا يستثنى منها إلا الأرض والعرض، حيث لا يجوز الاعتداء على نساء القاتل أو نساء لزومته. وبحسب الأعراف هناك خلافٌ وعدم إجماعٍ فيما إذا كان من الجائز قتل طفل من أولاد القاتل أثناء فورة الدم. ولا يجوز نهب المال والأنعام بعد انقضاء مدة (فورة الدم)، وإنما يجوز قتل النفس للانتقام كما جرت العادة. وإذا تمكن أهل القتيل من خصومهم، قبل صدور حكم القضاء، فإنهم يثأرون لأنفسهم بقتل واحدٍ منهم، ويكون إثبات القتل بالشهود. وفي حين لم يتوفر شهود على القتل، فلصاحب الدم الخيار بين أن يقبل يمين المتهم بالقتل، أو يطلب منه البشعة. ثم يتم توثيق الحدث عبر كتابة ورقةٍ تسمى (وثيقة) تشرح الحادثة كاملة، ومن جهتها تعد الوثيقة تنازلاً عن كل الحقوق المدنية والقضائية، كما أنها تعد نافذة أمام القضاء. وعادةً من يتولى عقدة الراية في السويداء، هم مشيخة العقل أو أحد الوجهاء والزعماء التقليديين (جمال هنيدي، عاطف هنيدي، لؤي الأطرش، يحيى عامر).

التحكيم

التحكيم هو عمليةٌ يقوم فيها طرفٌ ثالثٌ محايدٌ يلتزم الطرفان بحكمه في القضية المتفق على تدخله فيها. حيث يكون طرفا النزاع قد حددا سلفاً القواعد التي سيتبعونها من أجل حل هذا النزاع.

وخلال سنوات الصراع السوري ازداد الطلب على هذه الآلية في الكثير من النزاعات المدنية والتجارية داخل مجتمع السويداء. حيث لا يخلو عقد اتفاق بين طرفين من بند يشترط التحكيم كآلية لحل أي نزاعٍ قد ينشأ بين المتعاقدين. وعادة ما يتم تسمية المحكم/المحكمين ضمن العقد المكتوب.

كما أن التحكيم  أصبح يستخدم في الكثير من النزاعات الاجتماعية التي تحصل بين أبناء المجتمع. وخاصةً في ظل عجز الكثير من أبناء السويداء عن اللجوء إلى القضاء للتقاضي وتحصيل الحقوق. نتيجة الأوضاع الأمنية، وكون غالبية أبناء السويداء مطلوبين للأجهزة الأمنية، إما على خلفيةٍ سياسيةٍ أو بسبب ملف الاستنكاف عن التجنيد الإجباري، أو بتهمة الانتماء إلى مجموعات مسلحة مناوئة للدولة.

وخلال العامين الماضيين تم تأسيس ثلاثة مكاتب تحكيم مستقلة في السويداء، نتيجة الطلب المتزايد على هذه الآلية. كما أسست دار الطائفة خلال عام 2021 مكتباً خاصاً بها للتحكيم، وذلك للنظر في النزاعات التي تنشب بين أبناء المجتمع. 

والخطوات المتبعة في عملية التحكيم، هي نفسها الآلية المتعارف عليها في مكاتب التحكيم التي ينظمها القانون. ويقوم باستخدام هذه الآلية مكاتب التحكيم الخاصة أو التابعة لدار طائفة الموحدين الدروز في مقام عين الزمان أو محكمين من خلفيةٍ حقوقية.

الحرم الديني

هو أقسى حكم أو عقاب يمكن إصداره على أبناء المذهب الدرزي، إذ أنه يشمل أيضاً الحرم الاجتماعي بما يفرض على المجتمع القطيعة الكاملة للمحروم. ويخضع من لا يلتزم أو من يخرق هذه القطيعة للعقوبة ذاتها. إلى جانب منع المحروم من دخول أماكن العبادة (المجالس) إذا كان رجل دين، وفي حال وفاته لا تقام الصلاة على جنازته. وفيما مضى كان يتم تطبيق هذا الحرم حتى على أبناء المكونات الأخرى.

الحرم الاجتماعي

هو فرض قطيعةٍ اجتماعيةٍ على أبناء المجتمع، بقطع علاقات الجميع مع المُعاقب. فلا يلقون عليه التحية، ولا يأكلون طعامه، ولا يحضرون أفراحه وأتراحه، ولا يصاهرونه.

والزعامة التقليدية في الجبل، هي الجهة المخولة بإصدار الحرم الاجتماعي على كل شخص ينقض صلحاً، أو لا يستجيب للوساطة القائمة على إحقاق الحقوق. أو يقوم بالثأر بعد إبرام الصلح (عقدة الراية)، وعلى كل من يقوم بعمل منافٍ للآداب العامة أو يهدد السلم الأهلي. 

طرش الدم

وهي إحدى الآليات المجتمعية القديمة وهي عبارةٌ عن وثيقة عشائرية، لمحاسبة المتورطين بعمليات الخطف والقتل، والاعتداء على الأعراض والممتلكات في محافظة السويداء. ولمنع حالات الثأر والانتقام من قبل ذوي المحكومين بالإعدام. ولتصبح هذه الوثيقة ملزمة يجب أن توقع عليها كافة عائلات الجبل.

وتمثل عرفاً كان سائداً قبل 300 سنة لدى العشيرة المعروفية في جنوب سوريا، ولم تعد متداولة منذ قيام الدولة الوطنية في منتصف القرن العشرين. وعادت للظهور في شهر أيار من عام 2017، مع الاضطرابات الدامية التي شهدتها محافظة السويداء، وانتشار حالات العنف والانتقام والثأر. اجتمع عدد من رجال الدين والوجهاء في محافظة السويداء، وانبثقت عن هذا الاجتماع لجنةٌ عشائريةٌ مفوضةٌ بإصدار أحكاٍم قضائية عشائرية، وخاصةً أحكام الإعدام. وانبثق عن ذلك الاجتماع ما يعرف بوثيقة طرش الدم، التي وقع عليها عدد من وجهاء وزعماء عائلات الجبل، لكنها لم تجد طريقها للتنفيذ نتيجة عدة ظروف.

فريق التحرير   

المصدر: “القوى المؤثرة في المنطقة الجنوبية السورية ودورها في السلم الأهلي (ديناميكياتها وأدواتها)”