مبادرة “نساء قادرات” للعمل في مهن غير تقليدية

قالت مبادرة نساء قادرات: إن الصُّور النّمطية للنساء العاملات في مهن مصنفة اجتماعياً كمهن غير مناسبة للمرأة، هي الافتراضات المسبقة التي تتشكل حول النّساء العاملات في هذه المهن. دون الأخذ بعين الاعتبار الاختلافات بين امرأةٍ وأخرى. ودون التأكُد من صحتها بشكلٍ موضوعيٍ

طرحت مبادرة “نساء قادرات” تساؤلاً حول ما الذي يمنع المرأة من العمل في مهن تعتبر خاصةً بالرجال؟! واضعةً إجاباتٍ افتراضيةً، مثل أنه يكفي ما وصلت له المرأة ولا حاجة لذلك. أو أن المرأة قادرةٌ على القيام بالأعمال التي يقوم بها الرجال في جميع المجالات، وهي فقط تحتاج الفرصة. أو أن ما يمنعها ضعف قوتها البدنية. تاركةً المجال متاحاً أمام المتابعين لإبداء المزيد من أرائهم.

(9) هُنَّ قادرات – YouTube

حكايا النساء

وقالت المبادرة عبر صفحتها على موقع “فيسبوك“: “مع كل حكاية من حكايات النساء، تنخلق فكرةٌ ومبادرة. فبالأمس صغن حكاياتهن لوحاتٍ وأعمالاً فنية، واليوم يصغنها تحدياً وخوضاً في غمار الأعمال التي كانت يوماً حكراً على الرجال. وها نحن كنساء نعلي اليوم أصواتنا ونقول للجميع: نحن قادرات. 

قادراتٌ على القيام بكل الأعمال وكل المهام… قادراتٌ على المبادرة وعلى تطوير قدراتنا… فحكايات جداتنا وتجارب الأخريات من حولنا، تخبرُنا كلّ يوم أننا نستطيع. ولنتمكن من استثمار وتفعيل قدراتنا نحتاج إلى الإيمان والثقة بهذه القدرات”.

 وأضافت: “نحتاج إلى خلق مساحاتٍ آمنة في أماكن العمل، تدعم خياراتنا وتحتضن إبداعاتنا، دون تسخيفٍ أو تحطيمٍ أو تخويف. لأن الشعور بالأمان شرطٌ أساسيٌّ من شروط الإبداع. كما نحتاج إلى تعميم مبادئ الحماية من كل أشكال العنف والاستغلال. وتبنيها من قبل الأفراد والمؤسسات والمجتمع المحلي. نحن قادراتٌ وسنمضي قدماً، جنباً إلى جنب مع الجميع، نبني بيوتاً وأوطاناً”.

(9) تجربة المهندسة سُهاد بدر في اختيار دراستها – YouTube

نشاطات 

وكخطوةٍ أولى لبناء مبادرة “نساء قادرات” المعنية بموضوع عمل المرأة في مهنٍ جديدة غير تقليدية؛ نظّم مشغَل فجِّة خُرَق لقاءاتٍ امتدت على ثلاثة أيام، مع أشخاص فاعلين/ات في المجتمع ومهتمين/ات بقضايا المرأة.

وتضمنت هذه اللقاءات حواراً حولَ واقع عمل النِّساء، والفرص الموجودة والتَّحديات المحتملة لعملهنَّ في مجالاتٍ تُعتَبر حكراً على الرِّجال. وساهمت الآراء المتنوعة التي عبر عنها المشاركون/ات والتجارب المختلفة التي شاركوها؛ بالوصول إلى فهم أوسع لظروف اختيار النِّساء لمهنهنَّ. وللتغيير المترافق خلال السَّنوات العشر الأخيرة. كما اقترح المشاركون/ات سبلاً ممكنةً لخلق بيئةٍ داعمةٍ للمرأة، تكون فيها ظروف الاختيار لهذه المهن أقل تهديداً للنساء. واختُتِمت اللِّقاءات بتسليط الضَّوء على المحاولات الموجودة لتمكين المرأة في هذه المجالات والمبادرات المحتملة لتطويرها.

وزارت المشاركات خلال المبادرة، عدة ورشٍ مهنيةٍ، منها ورشة صناعة منجور ألمنيوم. ومذ دخلت المشاركات في مبادرة (نساء قادرات) إلى الورشة، بدأت نظرات الاستهجان التي اختزنتها ذاكرتِهنَّ في كل مرة حاولن فيها خوض تجربةٍ غير مألوفة تتلاشى. ليحل محلها شعورٌ بالثّقة، بدا واضحاً في طريقة تعاطيهنّ مع المكان والآلات والمعلومات المقدمة. وعزّزهُ صاحب الورشة الذي أبدى ثقته بقدرة النساء على إنجاز هذا النّوع من الأعمال بدقّةٍ وإتقانٍ.

(9) التجربة – YouTube

صور نمطية 

وقالت المبادرة: إن الصُّور النّمطية للنساء العاملات في مهن مصنفة اجتماعياً كمهن غير مناسبة للمرأة، هي الافتراضات المسبقة التي تتشكل حول النّساء العاملات في هذه المهن. دون الأخذ بعين الاعتبار الاختلافات بين امرأةٍ وأخرى. ودون التأكُد من صحتها بشكلٍ موضوعيٍ.

فهذه الصّور النّمطية تتشكل بشكلٍ تراكميٍ، نتيجة الأفكار والمعتقدات التي تنتقل من شخصٍ إلى آخر، ومن جيلٍ إلى الذي يليه. فتصبح مع الوقت راسخةً ومقبولةً اجتماعياً، يتم تناقلها بعفوية كما لو أنها حقائق لا يمكن التّشكيك في صحتها.

ورأت أنها ليست سوى أفكارٍ غير دقيقة، ولا تعبّر عن النّساء العاملات في مهنٍ يصفها المجتمع بأنها حكرٌ على الرّجال. لكن مع كثرة تداولها أصبحت هذه الصور قيوداً تحد من قدرات المرأة، وتضعها في إطارٍ يتوافق مع المجتمع ولا يتوافق مع إمكانياتها ورغباتها. ومحاولة التحرر منها يفرض على النّساء التعامل مع الكثير من العوائق. 

واعتبرت أن كسر هذه الصّور النّمطية يلزمه البدء بطرح أسئلةٍ موضوعيّةٍ حول كيفية تَشكّلِها في المقام الأول. ويتطلب إعطاء المرأة الحق في التّجربة، وعدم الاستكانة إلى ما هو مألوف وشائع. فتكون تجربتها الحدَّ الفاصل بين ما هو حقيقي وما هو مُفترَض.

وتابعت: حين نقول إن النّساء غير قادراتٍ على مزاولة مهنةٍ ما بسبب بنيتهنّ الجسديّة الضّعيفة، أو لأنها تتطلب قدراتٍ بدنيّةً تفوق قدرات النّساء، فإننا نغفل فصلاً طويلاً من فصول التّاريخ، لعبت فيه النّساء أدواراً متنوعة جنباً إلى جنب مع الرّجال.. فجداتنا حرثن وزرعن وقطفن، حملن جرار فخارٍ ثقيلةً لمسافاتٍ طويلةٍ بين البيوت وعيون الماء. واهتممن بالماشية وساهمن في البناء، ركبن الخيل، وحملن السّلاح وحاربن.

متسائلةً: فما الذي حدث؟ ولماذا لم تعد نساء اليوم قادراتٍ على القيام بالأعمال التي تتطلب القوة البدنيّة؟ 

مضيفة ربما السّؤال الأجدر هنا هو: هل فعلاً النّساء غير قادراتٍ، أم أنهنّ مُبعداتٌ بشكل ما؟

أسباب متعددة

لفتت المبادرة إلى أنه مع التّطور وتغير نمط الحياة، لم تعد الكثير من الأعمال الجسديّة مطلوبةً من كلا الجنسين. حيث حلّت الآلة محلّ الإنسان، موفرةً الكثير من المجهود العضلي على الرّجال والنّساء معاً. ومع التّطور ظهرت أيضاً مهنٌ ومهام جديدة. لكن ولاعتباراتٍ عديدة تراجعت مساهمة النّساء في عدة ميادين، وتم حصرهنّ ضمن أدوارٍ محدّدة تتوافق مع هذه الاعتبارات. وهكذا تم إقصاء النّساء شيئاً فشيئاً عن ميادين العمل التي تتطلب مجهوداً جسدياً.

وذكرت أنه يمكن مناقشة الأسباب الاجتماعية، والسّياسية، والثّقافية والدينية التي أوصلت النّساء إلى هنا. فالمؤكد أنه لا يوجد في طبيعة النّساء وأجسادهن ما يمنعهن من العمل، لكن كما هو الحال مع أية رياضةٍ أو مهنةٍ معتمدةٍ على القوة العضلية، فإن الممارسة مفتاحٌ للإتقان، والتّدريبَ المستمر شرطٌ لتطوير القدرات، بغض النّظر عن الجنس. لذا فحين تحرم النّساء من فرصة تجربة هذه المهن، فمن الطّبيعي ألا يكنّ معتاداتٍ على ممارستها. وأن يتشكل لديهن حاجزٌ نفسيٌّ يجعل الخوض في هذه المهن فيه قدر من الرّهبة والخوف من الصّور النّمطية.. والنّساء قادرات، وقصص جداتنا تثبت ذلك، وما يحتجن إليه اليوم هو الفرصة.

الفرصة لمن ترغب من النّساء في أن تستكشف مساحاتٍ جديدةً لقدراتها، وتطور أدواتها في ميادين جديدة. فلعب المرأة لهذه الأدوار سيعود بالنّفع ليس فقط على المرأة وإنما على المجتمع ككل.

سياسات حماية

إن العمل على دخول النّساء إلى مهنٍ جديدة بالنسبة لهن لا يكتمل دون العمل على التّعريف بسياسات الحماية، والبحث في سبل تطبيقها في أماكن عمل النساء. فخلق بيئةٍ آمنةٍ وخاليةٍ من مختلف أشكال العنف، والاستغلال الاقتصادي، والتمييز القائم على النّوع الاجتماعي ضرورةٌ لكل امرأةٍ عاملة.

والتعرف على قوانين العمل، والحقوق القانونية، بالإضافة للإجراءات اللازمة للحماية من كل أشكال العنف والاستغلال، تشكل عواملَ هامةً تُمكّن المرأة من حماية نفسها وعملها. وتساعدها على خلق بيئة عمل آمنةٍ ومريحةٍ، تتوفر فيها الشروط المطلوبة لأداء المهام بحرفيةٍ وإنتاجيةٍ عالية.

بعد أشهرٍ طويلةٍ من العمل على مبادرة “نساء قادرات”، وبعد العديد من الورشات والفعاليات المختلفة، تم إقامة يوم مفتوح ليجمع كل من ساهم/ت في العمل. سواء من منظمي/ات المشروع، ومشتركي/ات المبادرة، بالإضافة إلى مدعوين/ات من أهالٍ وأصدقاءٍ وصديقاتٍ. ليكون نهايةً لنشاطات المبادرة، وبدايةً لأفقٍ جديدٍ كما نأمل. أفقٍ مفتوحٍ على توجّهٍ مختلفٍ في مجال عمل المرأة. وعلى فضاءٍ جديدٍ ستثبت فيه النساء أنهن قادراتٌ وقوياتٌ، وأن تجربتهن هي الحد الفاصل بين الحقيقة والافتراضات.